أكثر من مباراة
بعد ثلاثة أعوامٍ من الحرمان والضياع والشتات بسبب حرب المليشيا المتمردة علي شعب السودان، والتي مزّقت الوطن وشردت مواطنيه وأثقلت كاهل العاصمة الخرطوم، عادت الحياة إلى ملاعب كرة القدم عبر مباراة المريخ والأهلي مدني ضمن افتتاح دوري النخبة بملعب المدينة الرياضية بكوبر امس، عاد النشاط الرياضي، فعاد معه النبض والجمال إلى المدرجات، وعادت الجماهير تتلاقى وتتسامر وتتعانق بعد فراقٍ طويل فرضته ظروف الحرب القاسية، ذرفوا الدموع بعد طول غياب.
ضجّت مدرجات ملعب كوبر بالحماس والهتافات، وتعالت الأصوات بالأهازيج والأناشيد التي افتقدتها الملاعب لسنوات، فرح الجميع داخل الملعب وخارجه بعودة كرة القدم إلى قلب العاصمة الخرطوم، لم تكن مجرد مباراة لتسعين دقيقة من التنافس الرياضي، بل كانت حدثاً وطنياً وإنسانياً حمل في طياته رسائل عميقة وكبيرة لكل العالم.
دخل الفريقان إلى أرضية الملعب وسط أجواء استثنائية، وقدمّا مباراة جميلة وممتعة، تفوق فيها المريخ بثلاثة أهداف لهدف سجلها مصعب مكين، سوغوبا وساليما، بعد أن أنهى الشوط الأول متعادلاً، قبل أن يفرض أفضليته في الشوط الثاني ويضيف هدفين أكدا تفوقه واستحقاقه للفوز.
من وجهة نظرنا نعتقد أنه من الإيجابيات الكبيرة والعظيمة في المباراة أن السودان بعث بعدة رسائل واضحة في بريد العالم الخارجي وفي مقدمتهم اعدائه، مفادها أن الحياة في السودان بدأت تعود، وأن العاصمة الخرطوم بدأت تتعافى تدريجياً رغم حجم الدمار الكبير الذي خلفته الحرب المليشيا. أكدت الجماهير بحضورها وصمودها أن إنسان السودان قادر على تجاوز المحن والانتصار على الجراح، وأن هذا الوطن مهما احترق سينهض من جديد.
لقد كانت كرة القدم ضربة البداية لعودة الروح، ورسالة خضراء مليئة بالأمل والسلام، أكدت أن السودان ما زال حياً وعظيماً كبيراً بشعبه وجيشه وكل المساندين له، وأن إرادة البناء والإعمار أقوى من الحرب والخراب.
التحية لقواتنا المسلحة ولكل من ساهم في عودة الأمن والأمان، والتحية للجماهير الوفية التي عادت إلى المدرجات لتستعيد شغفها الجميل، والشكر كذلك للاتحاد السوداني لكرة القدم الذي تمسك بقيام المنافسة داخل العاصمة الخرطوم رغم كل التحديات والعقبات، وأصر على إعادة النشاط الرياضي إلى قلب البلاد.
شكراً لكل من ساهم في هذه العودة التاريخية، وليتابع العالم بأسره هذا المشهد العظيم، ليكتشف أن السودان بخير، وأنه بدأ بالفعل يسير في الاتجاه الصحيح نحو التعافي والحياة من جديد.
وأخيراً نقول: في كوبر لم تنتصر كرة القدم وحدها، بل انتصر السودان على وجع الغياب.




