الإتحاد والسيادي وبث النخبة
غداً ينطلق دور النخبة السوداني، وحتى هذه اللحظة لا توجد رؤية واضحة ومتكاملة فيما يتعلق بعملية البث التلفزيوني أو الرقمي لهذه البطولة المهمة، وهذا أمر يثير القلق والاستغراب معاً، لأننا نتحدث عن حدث استثنائي يتجاوز حدود المنافسة الرياضية العادية ممثلة في دوري النخبة، فهذه البطولة لها أبعاد وطنية وسياسية واجتماعية ومعنوية كبيرة للغاية.
من وجهة نظرنا، فإن بطولة دور النخبة الحالية ليست مجرد مباريات لتحديد بطل الدوري أو ممثلي السودان في البطولات الأفريقية المقبلة، بل هي رسالة سودانية كاملة للعالم بأن السودان بدأ يستعيد عافيته وأن الخرطوم مهيأة لاستقبال النشاط الرياضي وان الحياة العامة بدأت تعود إلى طبيعتها بعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار والخراب الذي خلفته الحرب بواسطة مليشيا الدعم السريع المتمردة.
كنا نتوقع أن يكون الهدف الأساسي هو إيصال هذه الصورة والرسالة إلى كل العالم عبر بث مفتوح ومجاني عبر كل القنوات السودانية، وليس حصر التفكير أولاً في تحصيل الأموال وفرض رسوم بالدولار على المشاهدين بعد أن مما إلى سمعنا اتجاه الاتحاد السوداني لكرة القدم لبث البطولة عبر منصة خاصة مدفوعة الأجر، وفي تقديرنا أن الاتحاد ارتكب خطأً كبيراً، لأن الظروف الحالية لا تساعد على نجاح هذه التجربة. فضعف الإنترنت وعدم استقراره داخل السودان، بجانب غياب المعلومات الواضحة حول تقنية النقل والإنتاج بجانب الظروف الاقتصادية للسودانيين في الخارج، كلها عوامل تجعل فكرة المنصة مدفوعة القيمة، تجربة محفوفة بالفشل منذ البداية، خاصة أن غالبية الجماهير السودانية داخل وخارج البلاد تريد متابعة البطولة بسهولة ودون تعقيدات أو اشتراكات مرهقة، َكذلك فات غلي الإخوة في الاتحاد السوداني لكرة القدم والمجلس السيادي أن المستهدف من بث الدوري ليس هو المواطن السوداني فقط خارج السودان، بل المستهدف أيضاً هو مواطن العالم الخارجي حتى يقف على عودة الحياة الطبيعية داخل العاص السودانية الخرطوم.
كنا نتوقع أن يتحول بث دور النخبة إلى مشروع وطني كامل تتبناه الدولة عبر التلفزيون القومي السوداني وكل القنوات المتاحة، مع استنفار فني وإعلامي واسع يليق بحجم المناسبة، وكان من الممكن أن يتدخل مجلس السيادة بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وتقديم الدعم المالي لإنجاح عملية البث بصورة مباشرة، لأن نجاح البطولة إعلامياً يحقق مكاسباً سياسية ومعنوية مهمة للدولة السودانية، قبل أن يحقق أي عائد مالي للاتحاد السوداني لكرة القدم.
للأسف، يبدو أن الاتحاد السوداني لكرة القدم انشغل بجانب التسويق والعائد المالي أكثر من اهتمامه بالترويج الحقيقي للبطولة وصناعة صورة إيجابية للسودان في هذا التوقيت الحساس، وكنا نتوقع أن يحمل بث دور النخبة أكثر من رسالة للعالم الخارجي، أهمها أن السودان ما زال قادراً على الحياة والإبداع والتنظيم رغم كل الظروف الصعبة.
حتى الآن لا يزال الوقت متاحاً لتصحيح المسار، ويمكن للمجلس السيادي أن يتدخل سريعاً ويوجه بدعم التلفزيون القومي والقنوات السودانية حتى تظهر البطولة بالصورة التي تليق بالسودان وبقيمة هذا الحدث الكبير، فنجاح النقل التلفزيوني لا يقل أهمية عن نجاح المباريات نفسها، لأن الصورة التي ستخرج للعالم هي التي ستبقى في الذاكرة، وهي التي ستعكس حقيقة عودة الحياة إلى الخرطوم وإلى السودان كله.




