مستشار قانوني..ينتقد ادارة الهلال ومحامي النادي بيدرو بشأن شكوى الموساوي

نشر المستشار القانوني د. كمال محمد الامين مقالا أنتقد فيه ادارة الهلال ومحامي النادي البرتقالي بيدرو بشأن شكوى الموساوي لاعب نهضة بركان.

موقع نادينا ينشر نص المقال :

دعني أحدثكم اليوم حديثاً فيه شيء من المرارة، وفيه شيء من الأسى، وفيه فوق ذلك كله شيء من الدهشة التي تستولي على المرء حين يرى التاريخ يعيد نفسه، لا لأن التاريخ مُولع بالتكرار، بل لأن أصحاب الشأن مُولعون بالغفلة.
وما أقوله لكم اليوم ليس رأياً أُلقيه في الهواء، ولا ظناً أُرسله إلى المجهول، بل هو ما وثّقته وثائق محكمة التحكيم للرياضة ذاتها، وما نطق به قضاؤها في حكم صريح لا لبس فيه ولا غموض، صدر في السادس والعشرين من شهر مارس عام ألفين وأربعة وعشرين، في قضية كان بطلها نادي الهلال السوداني من جهة، والاتحاد الأفريقي لكرة القدم من جهة أخرى.

▪️أولاً: في البدايات التي لا تُنسى
كان ذلك حين أقدمت إدارة نادي الهلال السوداني على خطوة بدت في ظاهرها جريئة، وهي الطعن مباشرةً أمام محكمة التحكيم للرياضة في لوزان، متخطيةً بذلك لجنة الاستئناف في الاتحاد الأفريقي، واثقةً — أو مُوهِمةً نفسها — بأن باب المحكمة الدولية الكبرى مفتوح لمن يقرع، دون أن يكون قد طرق قبله الأبواب الأدنى.
وكان الرجل الذي أمسك بزمام ذلك الملف محامياً برتغالي الجنسية يحمل رخصة المثول أمام المحاكم الدولية، ويتمتع على ما يبدو بجرأة لا تتوقف عند حدود القواعد الإجرائية. وقد ذهب هذا المحامي إلى محكمة التحكيم الرياضية مباشرةً، في قضية الهلال مع الاتحاد الأفريقي وكانت تتعلق بحرمان النادي من استقبال جماهيره في ملعبه، ظناً منه أن خطورة القضية وضيق الوقت يجيزان له أن يقفز فوق الإجراءات قفزاً، كمن يتجاوز سياجاً بالزانة ثم يظن أنه انتصر.
فماذا كانت النتيجة؟

▪️ثانياً: في الحكم الذي لم يُقرأ
أصدرت محكمة التحكيم الرياضي وهي الهيئة المؤلفة من المحكّم الرئيس مانفريد نان الهولندي، وعضوَيه ميكيلي بيرناسكوني وبينوا باسكييه السويسريَّين، حكمها الصريح القاضي بـعدم قبول الطعن، وردّ مطالبة النادي بالتعويض دون مناقشة موضوعها، لأن الشرط الإجرائي الجوهري لم يستوفَ.
وقد أعلنت الهيئة في ثلاثة مبادئ جوهرية ما ينبغي أن يكون معلوماً لكل من يُقدم على التقاضي الدولي الرياضي:
المبدأ الأول: أن استنفاد طرق الطعن الداخلية ليس مسألة اختصاص يمكن التحايل عليها، بل هو شرط مقبولية لا تنعقد الخصومة أمام محكمة التحكيم دونه.
المبدأ الثاني: أن المادة (48/(3) من النظام الأساسي للاتحاد الأفريقي تشترط صراحةً أن يكون القرار المطعون فيه قد صدر في آخر مرحلة من مراحل التقاضي الداخلي، وذلك بعبارة لا تحتمل التأويل: “تختص محكمة التحكيم للرياضة بالنظر في الطعون المقدمة ضد أي قرارات أو عقوبات تأديبية تصدر في آخر مرحلة عن أي هيئة قانونية في الكاف”.
المبدأ الثالث: أن المادة (14/(1)/ج من قانون الانضباط للكاف تمنح رئيس مجلس الاستئناف صلاحية إصدار التدابير المؤقتة وتعديلها وإلغائها، مما يقطع بأن لجنة الاستئناف كانت طريق الإنصاف الفعّال الذي أُهمل ولم يُسلك.
ثم جاء الحكم في فقرته السابعة والثمانين ليقضي بما لا تخطئه عين: “ولكون النادي لم يستنفد سبل الطعن الداخلية المتاحة قبل رفع طعنه أمام محكمة التحكيم للرياضة، قُضي بعدم قبول الطعن.”

▪️ثالثاً: وها هو التاريخ يعيد نفسه
أيها الهلالي الغيور لو أن الأمر وقف عند هذا الحد لقلنا: درسٌ مؤلم، وخطأ إجرائي، وتجربة لن تتكرر. ولكن الذي يُوجع الفؤاد ويُدهش العقل معاً أن المشهد ذاته يتكرر اليوم، في قضية جديدة، تجمع الهلال السوداني بنهضة بركان المغربي، حول اللاعب حمزة الموساوي.
ويقف على رأس ملف الدفاع المحامي ذاته البرتغالي الجنسية الذي يحمل أوراقه، ويُقدم طعنه مرة أخرى، ويلجأ مرة أخرى إلى محكمة التحكيم الرياضية مباشرةً، مستنداً إلى بند احتياطي يتذرع به دفعاً لإشكالية إنكار العدالة، في محاولة لاختصار الطريق واستعجال الوصول إلى المحكمة الدولية الكبرى دون أن تُطرق البوابة الأولى.
وقد كتبت في صفحتي تحذيراتٍ لإدارة النادي قبل أن تُحسم القضية، وأشرت إلى أن هذا الطريق مسدود، وأن الخطأ الإجرائي لا تُعالجه عبقرية الحجج الموضوعية، لأن الهيئة التحكيمية حين تجد الباب الإجرائي موصداً لا تطرق باب الموضوع أصلاً.

▪️رابعاً: في الاختصاص.. كلمة لا بد منها
ولا بد لي هنا أن أقف عند مسألة الاختصاص وقفة المُقِرّ بأهميتها، لأنها ليست مسألة شكلية كما يتوهم من لم يُعمّق النظر في أصول التقاضي الدولي الرياضي.
إن الاختصاص في منظومة التقاضي الرياضي الدولي يقوم على مبدأين راسخين لا يتزعزعان:
المبدأ الأول: مبدأ التدرج القضائي. وهو يقضي بأن التقاضي يسير في مراحل متصاعدة لا يجوز القفز فوقها، فكما لا يجوز للمتقاضي في أي منظومة قانونية سليمة أن يبدأ بمحكمة النقض متخطياً ابتداءه ومحكمة استئنافه، كذلك لا يجوز التوجه إلى محكمة التحكيم للرياضة دون استنفاد مراحل الطعن الداخلية في الاتحاد المعني.
المبدأ الثاني: أن استنفاد الطعن الداخلي شرط مقبولية لا شرط اختصاص. وهذا التمييز الدقيق الذي أكدته الهيئة في قضية الهلال ضد الكاف بالغ الأهمية، لأن ما يترتب عليه عملياً هو أن الهيئة التحكيمية لا تُناقش اختصاصها ابتداءً، بل تنظر في مقبولية الطعن، فإن وجدت أن سبل الطعن الداخلية لم تُستنفد قضت بعدم القبول من غير أن تمس الموضوع بكلمة.
أما بند إنكار العدالة الذي تمسّك به المحامي البرتغالي في القضية الحالية فهو بند استثنائي ضيّق، لا تقبله المحكمة إلا حين يُثبت الطاعن أن لجوءه إلى الجهة الداخلية كان متعذراً إثباتاً موضوعياً وليس مجرد رأي أو تقدير شخصي. وهو إثبات عسير، ومعياره رفيع، ومحاكم التحكيم الدولية كانت دوماً متشددة في تطبيقه.

▪️خامساً: في المحامين والكفاءة والغيرة على النادي
ولن أُتم هذا المقال دون أن أتوقف عند مسألة أراها جوهرية، وإن كان بعضهم يُفضّل أن تُطوى في صمت.
إن كون المحامي أجنبي الجنسية لا يجعله أجدر من المحامين السودانيين . وكون المحامي يحمل رخصة المثول أمام محاكم دولية لا يجعله بالضرورة قادراً على إدارة ملفات ذات طابع قاري أفريقي له خصوصياته الإجرائية وتراكماته القضائية المتشعبة. وإن في السودان من الزملاء القانونيين من أمضوا سنوات في دراسة هذه المنظومة، وتتبع أحكامها، وفهم ثناياها، وأثبتوا كفاءةً لا تقل عن كفاءة من يُحضرهم من وراء البحار بأرقام باهظة.
أما أن تعود الإدارة بعد كل هذه التجارب إلى الاعتماد على من لم يُثبت سوى أنه يُجيد القفز فوق الإجراءات ثم يتلقى الهزيمة الشكلية قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية، فذلك ما يُوجع الفؤاد ويدفع القلم إلى الكتابة وإن كره الكاتب الإطالة.

▪️ختاما :
أيها القارئ الكريم، لقد كتبت هذا المقال لا عتبا بالنادي العريق الذي أحمل له في صدري من التقدير ما يحمله كل سوداني أصيل لرمز من رموز وطنه، بل كتبته غيرةً عليه، وأملاً في أن تقرأ إدارته اليوم ما لم تقرأه بالأمس.
إن قرار محكمة التحكيم للرياضة في قضية الهلال ضد الكاف لم يكن مجرد حكم في نزاع عابر. كان درساً في أصول التقاضي الدولي الرياضي، كُتب بحبر المحكمة وختم بخاتمها. وكان يستحق أن يُقرأ جيداً قبل أن تُفتح ملفات جديدة على اليد ذاتها التي أسقطت الملف الأول.
فهل تُقرأ اليوم رسائل الأمس؟ أم أن التاريخ مُصِرٌّ على التكرار لأن من يصنعه مُصِرٌّ على النسيان؟

د. كمال محمد الأمين عبد السلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!