يواجه مقديشو الصومالي عصر اليوم: إعداد المريخ… بين ما يراه الجهاز الفني وما تراه الجماهير

 

في كرة القدم لا توجد رؤية واحدة، وإنما رؤيتان؛ رؤية يصنعها المدرب من داخل الملعب، ورؤية يطلقها الجمهور من المدرجات. وبين النظرتين يقف المريخ اليوم في واحدة من أكثر مراحل الإعداد إثارة للجدل.

منذ اليوم الأول، رسم الجهاز الفني بقيادة الصربي دراكو نوفيتش خارطة طريقه بوضوح. لم يلهث خلف المباريات الودية، ولم يبحث عن انتصارات معنوية ترضي الجماهير، بل وضع اللياقة البدنية في مقدمة الأولويات، مؤمنًا بأن الفريق الذي لا يقف على قدميه بدنيًا لن تنقذه أي أفكار تكتيكية لاحقًا.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، انطلق إعداد المريخ بكشف شبه مكتمل، بحضور غالبية اللاعبين الوطنيين والأجانب، باستثناء عدد محدود من العناصر التي منحتها الإدارة الفنية إذنًا لأسباب مقنعة. وهو أمر منح الجهاز الفني أفضلية افتقدها المدربون في المواسم السابقة.

المرحلة الأولى جاءت شاقة ومتنوعة؛ جري، وصالة ألعاب، وسباحة، وتمارين إحماء وقوة، تحت إشراف المعد البدني التونسي مهدي مرموش، الذي نجح في المزج بين الانضباط وروح الدعابة، فكانت التدريبات مليئة بالحماس والتنافس، وظهر الانسجام واضحًا بين اللاعبين والجهازين الفني والإداري.

دراكو لا يعمل. ليبني فريقًا لمباراة أو بطولتين، لكن يحاول بناء فريق يستطيع الصمود طوال الموسم. لذلك كانت قناعته أن الوصول إلى الجاهزية البدنية الكاملة يسبق خوض أي تجارب إعدادية، حتى وإن كان ثمن ذلك الاعتذار عن المشاركة في بطولات مثل سيكافا أو فاليوجيت.

هنا بدأ الخلاف.

قطاع واسع من جماهير المريخ رأى أن الانسحاب من تلك البطولات قرار غير مبرر، وأن الاحتكاك المبكر مع فرق قوية هو الاختبار الحقيقي لقدرات الفريق، بل ذهب البعض إلى اتهام المدرب بالخوف من الهزائم، ومحاولة حماية نفسه من الانتقادات قبل انطلاق الموسم، وهي اتهامات قد تبدو قاسية، لكنها تعكس حجم القلق الجماهيري والرغبة في رؤية فريق جاهز للمنافسة.

لكن في المقابل، هل يُحاكم مدرب على فلسفة إعداد اختارها قبل أن تبدأ المنافسات الرسمية؟

إذا كانت الإدارة قد منحت الجهاز الفني كامل الصلاحيات، فمن الإنصاف أيضًا أن يتحمل مسؤوليته كاملة، نجاحًا أو فشلًا. أما إصدار الأحكام قبل اكتمال البرنامج الإعدادي، فهو استعجال لا يخدم الفريق بقدر ما يزيد الضغوط عليه.

وقد حملت أولى التجارب الودية أمام غوريلا الرواندي بعض المؤشرات الإيجابية. ظهر المريخ أكثر قدرة على الاحتفاظ بالكرة، وتحسن بناء الهجمة من الخلف، وكانت هناك ملامح واضحة لأفكار المدرب، رغم أن الفريق لا يزال بعيدًا عن قمته البدنية والفنية ؛ وتتواصل عصر اليوم الوديات بمواجهة مقديشو سيتي الصومالي الذي يعتبر اعلى جاهزية بعد أداء ثلاث مباريات في الدور الاول لسيكافا .

لهذا، فإن تقييم الأداء الآن سيكون حكمًا ناقصًا. فما زال الفريق في منتصف الطريق، وما زالت المرحلة الثانية من الإعداد والمباريات الودية المقبلة هي التي ستكشف الصورة الحقيقية.

المريخ اليوم لا يحتاج إلى الشفقة، ولا إلى جلد الذات مع كل قرار فني يختلف حوله الناس. ما يحتاجه هو مساحة هادئة يعمل فيها الجهاز الفني بعيدًا عن ضجيج الأحكام المسبقة. وبعد أن تدور عجلة المنافسات الرسمية، سيكون من حق الجميع أن يصفق إن نجح، وأن ينتقد إن أخفق.

فالنتائج وحدها هي التي تمنح المدربين صك البراءة… أو تكتب شهادة الرحيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!