بين حرية النقد وإشانة السمعة… أين يرسم القانون الخط الفاصل؟

بقلم : هاشم الفكي عبدالله

تُعد حرية التعبير وحرية الصحافة من أهم الضمانات التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، إذ لا يمكن الحديث عن رقابة مجتمعية أو مساءلة للمؤسسات العامة والخاصة في غياب إعلام حر قادر على النقد وكشف أوجه القصور. غير أن هذه الحرية، مهما بلغت أهميتها، ليست حقاً مطلقاً، وإنما تقف عند حدود حقوق الآخرين، وفي مقدمتها الحق في حماية السمعة والاعتبار.

ولهذا السبب، حرصت التشريعات المقارنة، ومن بينها القانون السوداني، على تحقيق توازن دقيق بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في صون سمعتهم من الاتهامات غير المثبتة أو الوقائع التي تُنسب إليهم دون دليل.

ومن الناحية القانونية، يميز الفقه والقضاء بين النقد المشروع وإشانة السمعة، وهو تمييز دقيق كثيراً ما يختلط في الخطاب الإعلامي.

فالنقد المشروع ينصرف إلى تقييم الأداء أو مناقشة القرارات أو إبداء الرأي في السياسات أو التصرفات التي تدخل في نطاق الوظيفة العامة أو المسؤولية المجتمعية. ويظل هذا الحق مكفولاً ما دام قائماً على وقائع معلومة، ومعبراً عنه بلغة موضوعية، وخالياً من الاتهامات غير المستندة إلى دليل.

أما إشانة السمعة، فتتحقق عندما ينتقل الخطاب من نقد الأداء إلى إسناد وقائع تمس شرف الشخص أو نزاهته أو ذمته المالية أو أخلاقه، بما يؤدي إلى الحط من مكانته أمام الرأي العام، دون أن تستند تلك الوقائع إلى أساس ثابت أو تحقيق رسمي أو دليل يمكن التحقق منه.

الرأي والواقعة… فارق قانوني جوهري

وهنا يبرز فارق قانوني بالغ الأهمية بين الرأي والواقعة.

فالرأي بطبيعته يحتمل الصواب والخطأ، ويظل في دائرة حرية التعبير، أما الواقعة فهي ادعاء يمكن إثباته أو نفيه، ومن ثم فإن من ينسبها إلى شخص معين يتحمل مسؤولية التحقق من صحتها قبل نشرها.

ولهذا لا يكفي قانوناً أن يقال إن المعلومات وردت من “مصدر”، أو من “مصادر مطلعة”، أو من “دوائر مقربة”، إذا كانت النتيجة هي نشر وقائع تمس سمعة شخص بعينه. فالمسؤولية عن النشر لا تنتقل إلى المصدر، وإنما تظل قائمة في مواجهة الناشر، الذي يلتزم مهنياً وقانونياً بالتحقق من صحة ما ينشره، خاصة إذا تعلق الأمر باتهامات تمس النزاهة أو الأمانة أو الذمة المالية.

بين الشبهة والحقيقة

كما أن إثارة الشبهات تختلف قانوناً عن المطالبة بالتحقيق.

فمن حق الصحافة أن تطالب بالتحقيق في أي قضية تتعلق بالشأن العام متى وجدت مؤشرات تستدعي ذلك، غير أن من غير الجائز قانوناً التعامل مع الشبهة وكأنها حقيقة ثابتة، أو تقديم الشخص للرأي العام باعتباره مسؤولاً عن مخالفة لم تثبت بعد وفق الإجراءات القانونية المختصة.

وتزداد أهمية هذا المبدأ في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ أصبح أثر النشر الإلكتروني أشد وأسرع من النشر التقليدي، وأصبحت الأضرار التي تلحق بالسمعة الشخصية تمتد في دقائق إلى آلاف وربما ملايين المتلقين، وهو ما دفع كثيراً من التشريعات إلى تشديد المسؤولية القانونية عن جرائم النشر الإلكتروني.

حماية السمعة لا تعني تعطيل النقد

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الحماية القانونية للسمعة إلى وسيلة لإسكات النقد أو منع الصحافة من أداء دورها الرقابي، لأن المسؤولين في المؤسسات العامة أو الرياضية أو الاقتصادية يظلون خاضعين للتقييم والمساءلة والنقد، طالما انصب ذلك على أعمالهم وأدائهم، ولم يتحول إلى اتهامات شخصية غير ثابتة.

ومن ثم، فإن معيار المشروعية لا يرتبط بحدة النقد أو قوته، وإنما يرتبط بطبيعته القانونية؛ فكلما انصرف النقد إلى مناقشة الوقائع والأداء والسياسات، بقي في دائرة الحماية القانونية، أما إذا تجاوز ذلك إلى إسناد وقائع تمس النزاهة أو الشرف أو الذمة المالية دون دليل، فإنه يغادر دائرة حرية التعبير إلى دائرة المسؤولية القانونية.

وهذه القاعدة تمثل إحدى أهم الضمانات التي توازن بين قيمتين دستوريتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى: حرية التعبير من جهة، والحق في حماية السمعة والاعتبار من جهة أخرى.

فالصحافة الحرة لا تُقاس بقدرتها على توجيه الاتهامات، وإنما بقدرتها على تقديم الحقائق، كما أن حماية السمعة لا تعني تحصين المسؤولين من النقد، وإنما تعني أن يبقى هذا النقد ملتزماً بضوابط القانون وأخلاقيات المهنة.

وفي نهاية المطاف، يبقى المعيار القانوني واضحاً: ليس كل نقدٍ إشانةً للسمعة، ولكن كل اتهام غير مستند إلى دليل قد يتحول إلى مسؤولية قانونية، مهما كانت المصلحة العامة التي استند إليها الناشر.

هاشم الفكي عبدالله
الشارقة
يوليو 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!