تقرير .. جبن تكتيكي من توخيل يعيد إنجلترا إلى مربع الندم والانتظار لستين عاماً أخرى
ريتشارد جولي – كبير مراسلي كرة القدم في صحيفة الإندبندنت
عادت إنجلترا لتتجرع من الكأس المريرة ذاتها التي ألفت مذاقها في البطولات الكبرى، وبسيناريو كربوني أعاد إلى الأذهان انكسارات الماضي القريب. فبعد أن كان منتخب “الأسود الثلاثة” يلامس المجد ويتحسس طريق النهاية التاريخية لستين عاماً من الألم منذ تتويج عام 1966، تبخر كل شيء في اللحظات الأخيرة من الملحمة التي احتضنها ملعب أتلانتا، لتتحول ملامح التأهل الصاعد إلى هزيمة درامية بهدفين لهدف أمام الأرجنتين، في مباراة ستبقى فصولها التكتيكية مادة دسمة لندم إنجليزي طويل الأمد.
ولنصف ساعة كاملة عقب هدف التقدم الذي أحرزه أنتوني جوردون، بدا أن إنجلترا قادرة على كسر العقدة وتدوين أسماء أبطالها الجدد بحروف من ذهب إلى جوار جيل بوبي تشارلتون وبوبي مور. غير أن الرياح تجري دائماً بما لا تشتهي السفن الإنجليزية عندما يقرر مدربوها التراجع لحماية المكتسبات بشكل مفرط؛ إذ سار الألماني توماس توخيل على خطى سلفه غاريث ساوثغيت في أسوأ لقطاته التكتيكية، مفضلاً التنازل الطوعي عن الاستحواذ ومنح السيطرة الكاملة لمنتخب أرجنتيني شرس يمتلك عقلية البطل ولا يحتاج إلى دعوة ثانية للهجوم، مما أسفر في النهاية عن سيناريو مألوف شهد عودة “التانغو” برأسية لاوتارو مارتينيز القاتلة في الأنفاس الأخيرة من الوقت بدل الضائع.
الخطأ الفادح الذي وقع فيه توخيل كان نتاجاً لسلسلة من القرارات الانكماشية المبالغ فيها التي قتلت النجاعة الهجومية للإنجليز بشكل مبكر وجريء. فمع حلول الدقيقة 63، قرر المدرب الألماني التضحية بالمهاجم النشط أنتوني جوردون ليدفع بالمدافع إزري كونسا متحولاً إلى جدار دفاعي خماسي، بل وسرعان ما عزز ترسانته بالعملاق دان بيرن ونيك أورايلي، في خطوة كشفت صراحة عن خوف مفرط وانعدام ثقة في قدرة لاعبيه على الاحتفاظ بالكرة ومبادلة الأرجنتينيين الهجمات. هذا التراجع غير المبرر أفسح المجال لكتيبة المدرب ليونيل سكالوني لتكثيف الضغط، وترك مساحات شاسعة للأسطورة ليونيل ميسي الذي عاقب الإنجليز بصناعة هدفي التعادل والفوز مستغلاً الحرية التي مُنحت لرفاقه في وسط الملعب.
وتفتح هذه الخسارة الباب أمام تساؤلات حادة حول فلسفة توخيل وإدارته للمباراة، خاصة مع تجاهله التام لأسماء قادرة على إحداث الفارق وحسم المعارك التكتيكية في مثل هذه الأوقات الحرجة. فبينما كان الفريق يئن تحت وطأة الضغط الأرجنتيني ويفتقر للممررين القادرين على الخروج بالكرة، بقي كوبي ماينو أسيراً لمقاعد البدلاء طوال البطولة، ولم يُمنح بوكايو ساكا الفرصة لتعويض خروج جوردون، في حين تأخر دخول ماركوس راشفورد حتى الدقيقة 95 . وبدت هذه القرارات دليلاً جديداً على أن المدربين الأجانب للاتحاد الإنجليزي ينتهي بهم المطاف دائماً بالتحصن بأكثر الأفكار الكلاسيكية تحفظاً ومبالغة في الدفاع، تماماً كما فعل السويدي إريكسون والإيطالي كابيلو من قبل.
كان بإمكان توماس توخيل الاستفادة من الدروس التي قدمتها المباريات السابقة للأرجنتين. فقد أقر المدرب ليونيل سكالوني بأن القوة البدنية لسويسرا أربكت فريقه، كما عانى قلبا الدفاع ليساندرو مارتينيز وكريستيان روميرو أمام انطلاقات مورغان روجرز وجود بيلينغهام، ما اضطرهما لارتكاب مخالفات والحصول على بطاقات صفراء. لكن إنجلترا، رغم نجاحها في إزعاج الدفاع الأرجنتيني، تخلت عن أسلوبها الهجومي وتراجعت إلى مناطقها، لتمنح منافسها فرصة استعادة زمام المبادرة.
ولم تعتمد الأرجنتين على الاستفزاز وحده، رغم محاولاتها إشعال أجواء المواجهة عبر لاعبين مثل جوليانو سيميوني، بل كان سلاحها الحقيقي هو الهجوم المتواصل. ومع تراجع إنجلترا، فرضت الأرجنتين شخصيتها كبطل، وقلبت المباراة بفضل شجاعتها وإصرارها حتى صافرة النهاية.




