الشباب والعاطفة الضارة
ظلت المراحل السنية بنادي المريخ تُحظى بتعاطفٍ جارف من الجماهير وبعض الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث درج كثيرون على تصوير لاعبي الشباب باعتبارهم أساطير قادمة ونجوماً خارقين يمتلكون القدرة على إعادة المريخ إلى منصات التتويج وصناعة الفارق محلياً وأفريقياً، وفي وجودهم سبعزف الفريق سمفونية كروية تفوق ما قدمته أعظم الفرق العالمية.
هذا الاهتمام الكبير بالمراحل السنية ارتكز في كثير من الأحيان على العاطفة أكثر من المنطق، مع غياب التريث والهدوء في تقييم اللاعبين القادمين من فرق الشباب أو الأندية الصغيرة.
واقول من خلال معايشة عدد كبير من لاعبي الشباب، سواء قبل الحرب أو بعدها، أستطيع القول إن نادياً كبيراً بحجم وقيمة المريخ لا يمكن أن يعتمد بصورة أساسية على لاعبين صغار السن أو قادمين من أندية محدودة الإمكانيات، فإذا كان الهدف الحقيقي هو المنافسة الأفريقية وتحقيق البطولات، وليس مجرد الظهور المحلي،
فالمريخ يحتاج إلى لاعبين جاهزين بدنياً ونفسياً وفنياً، لاعبون يستطيعون تحمل الضغوط وارتداء الشعار الكبير بثقة واقتدار، وليس إلى عناصر لا تزال تحتاج إلى سنوات من الرعاية والتأهيل وصقل الموهبة، والأخطر من ذلك أن هناك عدداً من لاعبي الشباب لا يستحقون أساساً التواجد في كشف المريخ، لكنهم استمروا بسبب الضغوط الإعلامية وضغط بعض الناشطين في الميديا الذين صنعوا رأياً عاماً أجبر الإدارات المتعاقبة على التعامل مع هؤلاء اللاعبين وكأن وجودهم أمر مقدس لا يقبل النقاش.
وهنا وقع الخطأ المشترك، خطأ مَن يدافعون عن الشباب بالعاطفة لا بالمنطق، وخطأ الإدارات التي رضخت لهذا الضغط الجماهيري والإعلامي دون الالتفات إلى الرؤية الفنية الحقيقية، فلا يمكن لنادٍ بحجم المريخ أن يفتح أبوابه لكل من هبّ ودبّ تحت شعار الموهبة أو المستقبل، لأن ذلك يقود في النهاية إلى تشويه صورة النادي الكبيرة وإضعاف هيبته التاريخية.
من غير المعقول أن يتحول ارتداء شعار المريخ إلى أمر سهل، فيوقِّع أي لاعب في كشوفاته ثم يكتشف الجمهور داخل الملعب أنه لا يملك حتى الحد الأدنى من الإمكانيات الفنية المطلوبة، والأسوأ أن بعضاً من هؤلاء اللاعبين جاءوا عبر الوساطات والعلاقات، لا وفق رؤية فنية دقيقة، مما يفتح الباب أمام فوضى إدارية وفنية تؤثر على مستقبل النادي وتضع الأجهزة الفنية ومجالس الإدارات تحت ضغوط مستمرة لتقييد لاعبين لا يستحقون الوجود أساساً.
وهناك نقطة في غاية الأهمية يجب الانتباه إليها، وهي أن عدداً كبيراً من لاعبي المراحل السنية لا يلعبون بأعمارهم الحقيقية، وهذه أزمة حقيقية ظلت تضرب اساس الكرة السودانية لسنوات طويلة، لذلك يجب ألا تُفرض عناصر الشباب بالقوة على الأجهزة الفنية أو الإدارات تحت تأثير العاطفة أو الضغوط الجماهيرية، لأن المريخ نادٍ كبير ينافس قارياً ويحتاج إلى عناصر جاهزة قادرة على صناعة الفارق، لا إلى لاعبين يصبحون عبئاً فنياً على الجهاز الفني داخل الملعب ومالياً على مجلس الإدارة.
اتركوا العاطفة جانباً حتى لا تضروا بالنادي الذي تحبونه.




