أزمة بث الممتاز

 

حدث ما توقعناه تماماً فيما يتعلق ببث مباريات دور النخبة، إذ أهمل المجلس السيادي، نعم المجلس السيادي استثمار فرصة ذهبية وماسية لبث مباريات الدوري الممتاز عبر تلفزيون السودان إلى العالم كله في هذه الظروف الاستثنائية، فما يمكن أن تقدمه مباراة واحدة من رسائل إعلامية وتأثير إيجابي لكل العالم عن السودان، لا تستطيع أن تقدمه مئات الندوات ولا ملايين المقالات أو الحملات الإعلامية.
ونستدل هنا بمباراة الافتتاح بين المريخ والأهلي مدني، والتي حرّكت منصات الإعلام الخارجي، ونقلت صورةً حيةً لكل من تابع البث بأن السودان بخير، وأن العاصمة بدأت تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية. لكن، وللأسف الشديد، لم يهتم المجلس السيادي باستمرار بث مباريات دور النخبة حتى تكتمل الصورة الجميلة التي كان يمكن أن تقدم السودان بصورة مختلفة أمام العالم.
وتوقف البث بسبب عجز التلفزيون القومي عن الوفاء بالتزامات الاتحاد السوداني لكرة القدم، لكن الحقيقة التي لا يعرفها من هم خارج المؤسسة أن التلفزيون يعمل في ظروف بالغة التعقيد، ولا يمتلك حتى ربع الإمكانيات المطلوبة، فالتلفزيون السوداني اليوم يعمل بإمكانات محدودة للغاية، بعد أن استولت الدولة على عدد كبير من الكاميرات والأجهزة والمعدات لاستخدامها في برامجها الخاصة، وتركته يواجه مصيره وحيداً.
والحقيقة أيضاً أن جزءاً كبيراً من العمل الإعلامي الخاص بالتوجيه المعنوي يتم عبر أجهزة التلفزيون وكوادره، كما أن مركز عثمان مكاوي والعديد من المؤسسات الأخرى تستفيد بصورة مباشرة من إمكانيات التلفزيون القومي ومعداته.
وبحسب ما علمنا، فإن التلفزيون القومي لم يفقد أجهزته بسبب الحرب، حيث تفاجأ الكثيرون بوجود الأجهزة كما هي عقب تحرير الإذاعة والتلفزيون.
أما فيما يتعلق بمطالبة الاتحاد السوداني لكرة القدم للتلفزيون بسداد قيمة حقوق البث، فإن إدارة التلفزيون نفسها مغلوبٌ على أمرها، لأنها تعتمد بالكامل على ميزانية وزارة المالية، وهي ميزانية اضطراري أو ميزانية طوارىء، بالكاد تغطي الحد الأدنى من التشغيل.
والذي لا يعلمه كثيرون أن عدداً كبيراً من موظفي التلفزيون لم يعودوا إلى العمل حتى الآن، لأن المؤسسة غير قادرة على الوفاء باستحقاقاتهم المالية، في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، لذلك فإن الطاقم الذي يعمل حالياً يُعد طاقماً ناقصاً مقارنة بحجم العمل المطلوب.
بل إن وزارة المالية وبحسب ما توفر لدينا من المعلومات، ألزمت التلفزيون بالعمل بعدد محدود جداً من الموظفين، وهو عدد لا يقارن إطلاقاً بالحاجة الفعلية للمؤسسة، وهذا يكشف حجم الظروف الصعبة التي يعمل فيها التلفزيون القومي هذه الأيام.
وفي المقابل، صرفت الدولة أموالاً كثيرة على تهيئة الملاعب، مثل استاد الخرطوم، كما دعمت الأندية المشاركة في دور النخبة عبر مؤسساتها المختلفة، مثل منظومة الصناعات الدفاعية، وجهاز المخابرات العامة، وشركة زادنا العالمية، وكل ذلك جاء بهدف إنجاح البطولة والاستفادة من الرسائل الإعلامية الإيجابية التي تعكس تعافي الخرطوم وعودة الحياة إليها.
ولكن في اللفة الأخيرة تحديداً، عجزت الدولة عن دعم التلفزيون القومي، وهو الطرف الأهم في معركة الصورة والإعلام، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة ظروف قاسية، وهو العائد حديثاً إلى داره بعد فترة ابتعاد طويلة من المعاناة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!